تخطى إلى المحتوى

هل ستعود الأسود إلى المملكة العربية السعودية؟ بقلم آندرو زالومیس الرئيس التنفيذي لهيئة تطوير محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية

7 دقيقة قراءة

10 أغسطس 2026

بعد انقراضه لأكثر من قرن، يستعد الحيوان المفترس القمي في جبال الحجاز (Panthera leo leo) لاستعادة ملاذه الساحلي القديم

على واجهة صخرية مرتفعة تطل على قرية روافة، ضمن محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، يرفع فارس على ظهر جواده رمحًا في مواجهة أسد يفوقه حجمًا بمرتين، في مشهد يجسد اختبارًا أقصى للشجاعة الجسدية. ويُرجَّح أن يعود هذا النقش إلى أواخر العصر الجاهلي (نحو 800 قبل الميلاد إلى 400 ميلادية)، إذ يظهر الأسد المنحوت بحجم كبير وبتفاصيل متعمدة، حيث امتلأ جسده بمئات النقاط المنقورة يدويًا بشكل فردي، إلى جانب ذيل طويل. ويحيط بالمشهد نقوش لجمال ووعول، ويتوّجه المشهد نقشٌ بخط ثمودي قديم، يُحتمل أنه اسم الصياد أو الفنان.

صورة: مشهد صيد في المحمية

منذ قرون، تحولت أودية الحجر الرملي في شمال غرب الجزيرة العربية إلى مكتبة مفتوحة خالدة، توفر سجلًا بصريًا دائمًا للحياة البشرية. وفي حين قد تعكس بعض هذه المشاهد القديمة روايات حرفية لعمليات صيد تاريخية، يُعتقد أنها كانت تهدف أساسًا إلى نقل أفكار روحية وسياسية معقدة، أبرزها انتصار الحضارة الإنسانية على الفوضى، والتأكيد الجريء على السلطة الملكية.

وقد وثّق مفتشي المحمية اليوم أكثر من اثني عشر نقشًا صخريًا متفردًا للأسد، منحوتة على الواجهات الصخرية في أرجاء المحمية. وهذه النقوش ليست عشوائية؛ فمستوى الدقة التشريحية وتكرار هذا الرمز المهيب يؤكدان أن الأسود لم تكن أسطورة، بل كانت واقعًا يوميًا حيًّا ورمزًا ثقافيًا عميقًا في هذا المشهد الطبيعي القديم.

الجزيرة العربية الخضراء

 

قبل نحو 12,000 عام، كانت شبه الجزيرة العربية أرضًا خصبة وخضراء ورطبة. وبعيدًا عن كونها كتلة يابسة معزولة، كانت تعمل كجسر بيئي يربط بين قارتين. إذ امتد حزام متصل من موائل السافانا مباشرة من أفريقيا عبر الجسر البري لسيناء، ما سمح للحياة البرية بالهجرة بحرية. وكانت قطعان هائلة من الغزلان الرملية والمها العربي والنعام وحمار الأونجر الفارسي تتنقل عبر مروج مفتوحة تتناثر فيها أشجار السنط الوارفة ومصادر مياه دائمة.

صورة: لوحة نقوش صخرية في المحمية

وقد شكّلت هذه القاعدة الغذائية المتنوعة من الفرائس دعمًا لمجموعة مزدهرة من الحيوانات المفترسة القمية، من بينها النمر والفهد والأسد. كما تفاعل الإنسان بشكل وثيق مع هذا المشهد الطبيعي المتغير، إذ عاش كمستوطن شبه مستقر، يربي الماشية المستأنسة ويصطاد رفقة الكلاب المبكرة عبر سافانا كان مقدَّرًا لها أن تتلاشى تدريجيًا مع مرور الزمن.

ومع تصحّر شبه الجزيرة تدريجيًا ابتداءً من نحو عام 6000 قبل الميلاد، تفتتت الموائل الطبيعية، وتراجعت أعداد كل من الفرائس والحيوانات المفترسة. وتحت وطأة الضغط المناخي الشديد، حلّ الجمل محل الماشية، ليصبح الحيوان الذي سيحدد ملامح حضارة الصحراء العربية لاحقًا.

صورة: تظهر الجمال بشكل متكرر في فنون الصخور في المحمية

المعقل الساحلي

وقد صمدت عناصر من هذا النظام البيئي القديم تحديدًا بفضل الطبيعة الجغرافية الفريدة للمنطقة، التي تُعد المحمية اليوم جزءًا منها. فقد شكّلت السهول الساحلية الشمالية الغربية للمملكة العربية السعودية وجبال الحجاز الوعرة ممرًا أخضر متصلًا من الموائل الملائمة، امتد مباشرة من أفريقيا. ومع جفاف الصحاري الداخلية، أصبحت هذه الجبال الساحلية المعقل الأخير للحياة البرية المتنوعة في المنطقة.

وقد عملت الأودية العميقة المظللة، مثل وادي الديسة الشهير في محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، على احتجاز مياه الأمطار. وأدت هذه العملية إلى تكوّن ينابيع دائمة من المياه العذبة، وتجميع ما تبقى من قطعان الحيوانات البرية، وتوفير الحماية لتنوع نباتي استثنائي.

صورة: وادي الديسة الأخضر

وعملت هذه البيئة الفريدة كملاذ مناخي أحيائي حقيقي، أي محمية مناخية محلية عاشت فيها الحياة البرية والحضارات العربية القديمة جنبًا إلى جنب لفترة طويلة بعد أن تحولت الأراضي المحيطة إلى صحراء. وقد أكسبت هذه الأهمية البيئية العميقة وادي الديسة اليوم مكانًا ضمن القائمة المؤقتة للمملكة العربية السعودية لمواقع التراث العالمي لليونسكو، تحت تصنيف «الملاذات المناخية الأحيائية لغرب الجزيرة العربية».

منطوقًا في الشعر، مدوَّنًا في التاريخ

لطالما أثارت الحيوانات المفترسة فتنة الإنسان، تاركة بصمة دائمة في ثقافة المنطقة. وإلى جانب حضوره المنقوش على الصخور، ينسج إرث الأسد نفسه مباشرة في نسيج اللغة العربية. فبسبب حاجة الشعراء القدامى إلى مفردات متنوعة تتلاءم مع أوزان الشعر الصارمة وقوافيه، ابتكروا معجمًا مذهلاً لهذا الحيوان المفترس الكبير، خلّفوا من خلاله أكثر من 300 اسم وصفي متفرد للأسد، عبر آلاف القصائد الجاهلية والإسلامية.

وإذا تجاوزنا الشعر، نجد سجلًا تاريخيًا موثقًا يثبت أن هذه الحيوانات المفترسة كانت واقعًا ملموسًا على الأرض. فقد كانت الأسود العربية (Panthera leo leo) منتشرة بأعداد كافية في شمال غرب المملكة العربية السعودية لتُوثَّق بالتفصيل في السجلات المكتوبة منذ عام 168 قبل الميلاد. واستمر هذا الحضور كخيط متصل عبر القرون، إذ وثّقه العالم اليمني الهمداني في القرن العاشر الميلادي، واستمر حتى وقت متأخر من العصر الحديث، حيث أفاد رحّالة في سبعينيات القرن التاسع عشر بأن شريف الطائف كان لا يزال يحتفظ بأسد حي في الأسر.

 

الانهيار في القرن التاسع عشر

وعلى مدار القرن التاسع عشر، حوّل تصاعد ضغط الصيد والفقدان الحاد للموائل الطبيعية تراجعًا طويلًا وبطيئًا إلى انهيار تام. ويشير المركز الوطني للحياة الفطرية إلى أنه رغم عدم توفر سجلات صيد دقيقة للأفراد الأخيرة، فإن انتشار الأسلحة النارية عبر الحجاز وساحل البحر الأحمر خلال القرن التاسع عشر أدى بسرعة إلى القضاء على آخر القطعان المتبقية.

وكان آخر توثيق للأسود بالقرب من الموصل في خمسينيات القرن التاسع عشر، وعلى ضفاف نهري دجلة والفرات حتى سبعينيات القرن نفسه، وفي حلب عام 1891، وفي إيران حتى وقت متأخر بلغ عامي 1941-1942.

وتصنّف القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) اليوم رسميًا النوع الفرعي Panthera leo leo ضمن الأنواع المهددة بالانقراض. إذ لا يتبقى منه في البرية عالميًا سوى ما بين 1,100 و1,300 فرد تقريبًا. ويقع أكبر معقل متبقٍ له في منطقة جير الكبرى غرب الهند، التي تضم ما يُقدَّر بـ891 فردًا وفقًا لأحدث بيانات التعداد، في حين تتمسك البقية بالبقاء عبر مناطق مجزأة للغاية ومعرضة لخطر شديد في غرب ووسط إفريقيا.

 

مبادرة إعادة التوطين في الجزيرة العربية: بناء المستقبل

تمتد المحمية الملكية على مساحة 24,500 كيلومتر مربع، لتشكّل أرضًا برية تفوق مساحتها ضعف مساحة لبنان. ومن خلال مبادرة إعادة التوطين في الجزيرة العربية، التي اعتمدها مجلس إدارة المحمية، نعمل بنشاط على إعادة الأرض إلى حالتها النابضة بالحياة التي كانت عليها قبل التوسع العمراني الحديث وما تلاه من أزمة تراجع الحياة البرية. وتشمل هذه الاستراتيجية الشاملة إعادة التوطين المحلي لـ23 نوعًا كانت موجودة تاريخيًا، من بينها الأسد الآسيوي. وحتى الآن، تمت إعادة توطين 14 نوعًا من هذه الأنواع بنجاح، تكاثرت ستة منها.

وقد استندت هذه القائمة إلى مزيج من البحث العلمي الدقيق، والبيانات التاريخية، وتفسير الرموز المنقوشة على الصخور التي نعثر عليها في المحمية. وهي تُشكّل مرجعنا البيئي: مشهد طبيعي عربي مستعاد بالكامل، مصمم وفق الخط الأساسي الطبيعي الذي كان سائدًا قبل أن يسرّع النشاط البشري الحديث من وتيرة الانقراضات المحلية هنا.

تخيّلوا الأسد بوصفه القطعة الأخيرة في هذا اللغز الحي؛ فلا يمكن إضافة اللمسة الختامية إلا بعد بناء جميع الطبقات الأساسية. وهذا بالضبط هو العمل البيئي الذي ننفذه حاليًا: استعادة الموائل الطبيعية، وإعادة بناء الترابط البيئي، وتشييد هرم غذائي مستقر قادر على دعم حيوان مفترس قمي. ويُعد إدخال الأرنب البري العربي، والغزال الرملي والجبلي، والوعل، والمها، والنعام، والحبارى، وحتى حمار الأونجر الفارسي، أمرًا بالغ الأهمية؛ إذ يؤدي كل نوع من هذه الأنواع وظائف بيئية أساسية تضمن قدرة الأسد على الازدهار مجددًا في هذا المشهد الطبيعي.

صورة: يظهر أسد بوضوح على واجهة صخرية

الشراكة مع المجتمع المحلي

لا يمكننا تحقيق النجاح في عمل إعادة التوطين هذا إلا من خلال مواصلة العمل يدًا بيد مع المجتمعات المحلية التي تعيش هنا، والاستفادة من معرفتها المتوارثة عبر الأجيال وخبرتها العميقة بالبيئة المحيطة. ولضمان الإشراف المشترك، تستلزم كل مرحلة تدريجية من مراحل عملية إعادة التوطين مشاورات مجتمعية واسعة ومستمرة وحوارًا فعّالًا.

وفي حين أن مناخنا الحديث المتغير يعني أن الظروف تختلف اختلافًا جذريًا عن عصر أجدادنا، يبقى تركيزنا البيئي منصبًّا على بناء ملاذات مرنة قادرة على حماية الأنظمة البيئية، وكذلك البشر والحياة البرية التي تعيش فيها، من تداعيات الاحتباس الحراري. إن عودة حيوان مفترس قمي هي رحلة تمتد عبر أجيال، وليست حدثًا مجدولًا بموعد محدد. فنحن لا نضع جدولًا زمنيًا مصطنعًا لعودة الأسد، بل نعمل بنشاط على بناء الظروف البنيوية التي ستجعل عودته النهائية أمرًا حتميًا.

(انتهى)