وعملت هذه البيئة الفريدة كملاذ مناخي أحيائي حقيقي، أي محمية مناخية محلية عاشت فيها الحياة البرية والحضارات العربية القديمة جنبًا إلى جنب لفترة طويلة بعد أن تحولت الأراضي المحيطة إلى صحراء. وقد أكسبت هذه الأهمية البيئية العميقة وادي الديسة اليوم مكانًا ضمن القائمة المؤقتة للمملكة العربية السعودية لمواقع التراث العالمي لليونسكو، تحت تصنيف «الملاذات المناخية الأحيائية لغرب الجزيرة العربية».
منطوقًا في الشعر، مدوَّنًا في التاريخ
لطالما أثارت الحيوانات المفترسة فتنة الإنسان، تاركة بصمة دائمة في ثقافة المنطقة. وإلى جانب حضوره المنقوش على الصخور، ينسج إرث الأسد نفسه مباشرة في نسيج اللغة العربية. فبسبب حاجة الشعراء القدامى إلى مفردات متنوعة تتلاءم مع أوزان الشعر الصارمة وقوافيه، ابتكروا معجمًا مذهلاً لهذا الحيوان المفترس الكبير، خلّفوا من خلاله أكثر من 300 اسم وصفي متفرد للأسد، عبر آلاف القصائد الجاهلية والإسلامية.
وإذا تجاوزنا الشعر، نجد سجلًا تاريخيًا موثقًا يثبت أن هذه الحيوانات المفترسة كانت واقعًا ملموسًا على الأرض. فقد كانت الأسود العربية (Panthera leo leo) منتشرة بأعداد كافية في شمال غرب المملكة العربية السعودية لتُوثَّق بالتفصيل في السجلات المكتوبة منذ عام 168 قبل الميلاد. واستمر هذا الحضور كخيط متصل عبر القرون، إذ وثّقه العالم اليمني الهمداني في القرن العاشر الميلادي، واستمر حتى وقت متأخر من العصر الحديث، حيث أفاد رحّالة في سبعينيات القرن التاسع عشر بأن شريف الطائف كان لا يزال يحتفظ بأسد حي في الأسر.
الانهيار في القرن التاسع عشر
وعلى مدار القرن التاسع عشر، حوّل تصاعد ضغط الصيد والفقدان الحاد للموائل الطبيعية تراجعًا طويلًا وبطيئًا إلى انهيار تام. ويشير المركز الوطني للحياة الفطرية إلى أنه رغم عدم توفر سجلات صيد دقيقة للأفراد الأخيرة، فإن انتشار الأسلحة النارية عبر الحجاز وساحل البحر الأحمر خلال القرن التاسع عشر أدى بسرعة إلى القضاء على آخر القطعان المتبقية.
وكان آخر توثيق للأسود بالقرب من الموصل في خمسينيات القرن التاسع عشر، وعلى ضفاف نهري دجلة والفرات حتى سبعينيات القرن نفسه، وفي حلب عام 1891، وفي إيران حتى وقت متأخر بلغ عامي 1941-1942.
وتصنّف القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN) اليوم رسميًا النوع الفرعي Panthera leo leo ضمن الأنواع المهددة بالانقراض. إذ لا يتبقى منه في البرية عالميًا سوى ما بين 1,100 و1,300 فرد تقريبًا. ويقع أكبر معقل متبقٍ له في منطقة جير الكبرى غرب الهند، التي تضم ما يُقدَّر بـ891 فردًا وفقًا لأحدث بيانات التعداد، في حين تتمسك البقية بالبقاء عبر مناطق مجزأة للغاية ومعرضة لخطر شديد في غرب ووسط إفريقيا.
مبادرة إعادة التوطين في الجزيرة العربية: بناء المستقبل
تمتد المحمية الملكية على مساحة 24,500 كيلومتر مربع، لتشكّل أرضًا برية تفوق مساحتها ضعف مساحة لبنان. ومن خلال مبادرة إعادة التوطين في الجزيرة العربية، التي اعتمدها مجلس إدارة المحمية، نعمل بنشاط على إعادة الأرض إلى حالتها النابضة بالحياة التي كانت عليها قبل التوسع العمراني الحديث وما تلاه من أزمة تراجع الحياة البرية. وتشمل هذه الاستراتيجية الشاملة إعادة التوطين المحلي لـ23 نوعًا كانت موجودة تاريخيًا، من بينها الأسد الآسيوي. وحتى الآن، تمت إعادة توطين 14 نوعًا من هذه الأنواع بنجاح، تكاثرت ستة منها.
وقد استندت هذه القائمة إلى مزيج من البحث العلمي الدقيق، والبيانات التاريخية، وتفسير الرموز المنقوشة على الصخور التي نعثر عليها في المحمية. وهي تُشكّل مرجعنا البيئي: مشهد طبيعي عربي مستعاد بالكامل، مصمم وفق الخط الأساسي الطبيعي الذي كان سائدًا قبل أن يسرّع النشاط البشري الحديث من وتيرة الانقراضات المحلية هنا.
تخيّلوا الأسد بوصفه القطعة الأخيرة في هذا اللغز الحي؛ فلا يمكن إضافة اللمسة الختامية إلا بعد بناء جميع الطبقات الأساسية. وهذا بالضبط هو العمل البيئي الذي ننفذه حاليًا: استعادة الموائل الطبيعية، وإعادة بناء الترابط البيئي، وتشييد هرم غذائي مستقر قادر على دعم حيوان مفترس قمي. ويُعد إدخال الأرنب البري العربي، والغزال الرملي والجبلي، والوعل، والمها، والنعام، والحبارى، وحتى حمار الأونجر الفارسي، أمرًا بالغ الأهمية؛ إذ يؤدي كل نوع من هذه الأنواع وظائف بيئية أساسية تضمن قدرة الأسد على الازدهار مجددًا في هذا المشهد الطبيعي.