تخطى إلى المحتوى

المفتشة البحرية و المصورة الفوتوغرافية سلمى عزيز, في حوار مع نيرفاني بيلاي

5 دقيقة قراءة

20 أغسطس 2026

ع بزوغ الفجر، تنطلق سلمى عزيز القصير بقارب الدورية مبتعدةً عن الشاطئ، حريصة كعادتها على اصطحاب كاميرتها الموثوقة من طراز كانون. ففي أي صباح قد ترصد عدستها سرباً من الدلافين، أو آثار سلاحف على الرمال، أو حتى أدلة على ممارسات صيد غير مشروعة، لتتحول كل صورة تلتقطها إلى جزء من قصة حفظ المحمية.

بصفتها واحدة من بين 231 مفتش بيئي في المحمية، تعد سلمى عضوة في أول فريق مفتشات بحريات نسائي في الشرق الأوسط، كما أنها خريجة البرنامج التدريبي الأخير الذي نظمته المحمية للتصوير بكاميرات الـDSLR. ومن خلال هذا الدور، وجدت سلمى طريقها للجمع بين شغفين: حفظ الطبيعة، ورواية قصصها بصرياً عبر عدسة الكاميرا.

صورة: سلمى تلتقط صوراً في مناطق الرعاية التابعة للمحمية

نشأت سلمى في ضباء، وهي إحدى المدن الساحلية التاريخية التابعة للمحمية، حيث أمضت طفولتها في استكشاف شواطئها وجبالها، قبل وقت طويل من تأسيس المحمية. هذا الارتباط المبكر بالبر والبحر هو ما يلهم عملها اليوم كمفتشة بيئية؛ وتقول سلمى: “في كل مرة أخرج فيها في دورية داخل المحمية، أشعر وكأنني أعيش لحظات من طفولتي من جديد”.

صورة: سلمى تلتقط صوراً لمسقط رأسها ضباء حيث بنيت البلدة القديمة على الطراز المعماري لساحل البحر الأحمر

منذ طفولتها, أحبت سلمى التقاط الصور و كانت المصورة الرسمية للمدرسة؛ وكانت تمتلك بالفعل معرضاً لأعمالها وهي لم تتجاوز التاسعة من عمرها. وإدراكًا منه لموهبة ابنته الصغرى، أهداها والدها كاميرته الفورية. تقول سلمى: ” لطالما كان لوالديّ دور كبير في تشكيل أحلامي. ولا تزال والدتي تدعمني وأنا أؤدي واجباتي كمفتشة. والأهم من ذلك، أرى مدى فخر ابنتي بي، وألمس أثر التوعية بالحفاظ على البيئة في جيل جديد.”

صورة: الكاميرا الفورية "بولارويد إمبالس إيه إف" الثمينة من أوائل تسعينيات القرن الماضي، التي ورثتها سلمى عن والدها

إن الفضول الذي دفع سلمى في البداية للوقوف خلف عدسة الكاميرا، هو نفسه الذي قادها إلى عالم العلوم. فقد تدربت كأخصائية مختبرات، لكنها اكتشفت أنها تفضل دراسة الطبيعة في موائلها الحقيقية، أي في الميدان بدلاً من فحصها تحت المجهر. وعندما سمعت عن برنامج المفتشين البيئيين لأول مرة من الأهالي والمجتمع المحلي، شعرت على الفور بأن هذا الدور يتماشى تماماً مع قيمها ومبادئها. قُبلت سلمى في برنامج تدريب المفتشات البيئيات عام 2025، ومنذ ذلك الحين لم تلتفت إلى الوراء؛ واليوم، تشعر بالفخر لكونها تؤدي دورها في حماية التراث الطبيعي للمحمية، وباستخدام شغفها الدائم بالتصوير في عملها.

بدأت سلمى دورياتها في المناطق البرية للمحمية، ثم فتحت أمامها أبواب التدريب لتنضم إلى طاقم المفتشات البحريات. وتقول في هذا الصدد: “لقد كان العمل في الدوريات البرية تجربة بحد ذاتها، لكن شغفي تحول بشكل غير متوقع نحو البحر فور حصولي على تأهيل مفتشة بحرية. ولم تدم طويلاً تلك اللحظات حتى أدركت أن الدلافين هي الكائنات الأقرب إلى قلبي في الرصد والتوثيق، لكونها تعكس بصفاتها روح الفضول التي تتميز بها شخصيتي”.

صورة: سلمى ترصد الدلفين الدوّار (Stenella longirostris) وهو يعبر مياه محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية

تقول سلمى بكل فخر: “بالنسبة لي، فإن كوني مفتشة ومصورة أمران يسيران جنباً إلى جنب، ولا يمكنني أبداً أن أكون أحدهما دون الآخر”

صورة: الوروار العربي الأخضر (Merops cyanophrys)، من الطيور المقيمة في محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية

وتضيف سلمى قائلة: “سواء كنت أصوّر الدلافين، أو الطيور، أو البيئة البحرية المتغيرة؛ فالأمر لا يقتصر على مجرد التقاط صورة. بل إنني أستمر دائماً في تعلم طبيعة العلاقة التي تربطنا بعالم الحيوان، وهذا ما يلهمني لأؤدي دوري في حماية الطبيعة”

صورة: تلتقط سلمى بعدستها شاب من المجتمع المحلي يقوم بتحضير القهوة التقليدية

ساهم البرنامج التدريبي للتصوير الفوتوغرافي الذي نظمته المحمية في صقل موهبة سلمى وتطوير هوايتها. أُقيمت ورشة العمل الأولى في أكتوبر من العام الماضي، حين اختيرت سلمى واحدة من بين 13 مشاركًا من أصل نحو 80 مرشحًا، تقديرًا لدقتها في الملاحظة وموهبتها الفطرية. وتضمنت الورشة أسبوعين من العمل المكثف والتدريب الصارم على استخدام كاميرات الـ DSLR, تلتها فترة توجيه وإشراف امتدت لستة أشهر سعى خلالها كل مصور على إيجاد مجاله الخاص. ومع مرور الأشهر، ازداد فَهْم سلمى لبيئتها المحيطة عمقاً ونضجاً.

قبل انضمامها لهذه الدورة، كانت سلمى تكتفي بالتقاط ما تراه جميلاً فحسب. أما اليوم، فباتت تدرس بعناية زوايا الإضاءة، وتكوين الصورة، وإعدادات الكاميرا، والأهم من ذلك كله: القصة التي يجب أن ترويها كل لقطة. وتنسب سلمى الفضل لهذا البرنامج في تغيير طريقتها لرؤية العالم الطبيعي، إذ أصبحت تنظر إلى بيئتها الآن بوضوح أكبر بكثير؛ فبإمكانها قضاء ساعات طويلة في البحث عن الكائنات الفطرية أو انتظار الضوء المثالي قبل التقاط صورة واحدة. وبالنسبة لسلمى، فلو نجحت تلك الصورة في تحفيز شخص واحد فقط لتقدير المحمية والاهتمام بها أكثر، فإن كل عناء الانتظار يستحق ذلك تماماً.

صورة: النعامة ذات العنق الأحمر من التقاط سلمى خلال عملية إعادة توطين للحياة البرية

استلهامًا من مصور الحياة البرية في “ناشونال جيوجرافيك” ديفيد تشانسلور، الذي أرشد سلمى خلال عملية إعادة توطين الحياة البرية الأخيرة، تواصل سلمى تطوير مهاراتها الفنية مع الاستثمار في معدات جديدة، وسط اهتمام متزايد بصناعة أفلام الحياة البرية. تقول سلمى: “إن اللحظة الأكثر تميزاً وخلوداً في ذاكرتي مع الحياة البرية ذلك اليوم كانت أثناء إطلاق النعام أحمر العنق في المحمية؛ فلم يكن لدي أدنى فكرة عن مدى ضخامة هذا الطائر مقارنة بما تخيلته قبل رؤيته، واحتجت إلى لحظة لأتغلب على مخاوفي. والأهم من ذلك كله، أنني تعلمت الكثير عن أهمية انتظار اللحظة المناسبة”.

تنتهي كل دورية بالتقاط الصور؛ بعضها يتحول إلى سجلات علمية موثقة، بينما يروي البعض الآخر قصصاً تلهم الناس للاهتمام بجهود حفظ الطبيعة. بالنسبة لسلمى، هذا هو الهدف الكامن وراء كل لقطة تلتقطها؛ فالأمر لا يقتصر على مجرد توثيق الحياة البرية، بل يمتد للمساهمة في ضمان أن يحظى جيل ابنتها والأجيال القادمة بفرصة رؤيتها حية في طبيعتها.