تخطى إلى المحتوى

من القمم إلى الشعاب المرجانية العالِمة البيئية التي تستكشف الطبيعة البرية في محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية

6 دقيقة قراءة

8 مارس 2026

لا يمكن حماية ما لا نفهمه

تمتد محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية على مساحة تقارب 24,500 كيلومتر مربع من اليابسة والبحر، وتشكل واحدة من أكثر المناطق الطبيعية تنوعًا في المملكة. ويُعد فهم كيفية عمل هذه الأنظمة البيئية أساسًا لأي جهد حقيقي لحمايتها.

ولهذا تعتمد المحمية على العلم القائم على البيانات لتوجيه برامج الاستعادة البيئية وإعادة توطين الأنواع، في إطار رؤية طويلة المدى تهدف إلى حماية التراث الطبيعي للمملكة وتعزيز استدامته.

ويقود هذا العمل فريق متنامٍ من علماء البيئة السعوديين الذين يعملون جنبًا إلى جنب مع خبراء دوليين لدراسة النظم البيئية في المحمية، واستكشاف تنوعها النباتي والحيواني، والمساهمة في تحقيق الأهداف الوطنية للحفاظ على البيئة.

في هذه المنطقة الصحراوية الشاسعة، لا يتشابه يوم ميداني مع آخر. فقد يبدأ العمل عند شواطئ البحر الأحمر بمراقبة مواقع تعشيش السلاحف البحرية، وينتهي في السهول الحصوية الممتدة حيث تُدرس الأنواع الصحراوية النادرة. وتمتد هذه الجهود عبر خمسة عشر نظامًا بيئيًا رئيسيًا داخل المحمية، ما يمنح العلماء فرصة فريدة لدراسة الطبيعة عبر نطاق واسع من البيئات من قمم الجبال إلى أعماق الشعاب المرجانية.

ومن بين هؤلاء العلماء العالِمة البيئية ريم الدخيل الله، التي يأخذها عملها عبر تضاريس المحمية المتنوعة ضمن فريق يعمل على أحد أكثر مشاريع إعادة التوطين البيئي طموحًا في المملكة.

وتقول ريم أن “البيئة في المملكة تمتلك إمكانات هائلة، ومع المزيد من الحماية والدراسات وأعمال الاستعادة يمكن للطبيعة أن تزدهر وتستعيد توازنها.”

تتبع “شبح الصحراء”

بدأ شغف ريم بعلم البيئة في شوارع الرياض، حيث تحوّل اهتمام طفولي بالقطط الضالة إلى ارتباط عميق بعالم الحيوان والطبيعة.

واليوم تعمل ضمن فريق المحمية على بعد نحو ألف كيلومتر من مدينتها، حيث تشارك في أبحاث تقدم فهمًا جديدًا لأحد أكثر القطط الصحراوية غموضًا: قط الرمال.

وتوضح ريم أن “قط الرمال من الأنواع التي لم تُدرس بشكل كافٍ ضمن فصيلة القطط، ولذلك يمثل هذا المشروع أهمية خاصة بالنسبة لي، لأنه يساعد في تسليط الضوء على هذا النوع النادر.”

وخلال سبع ليالٍ من العمل الميداني المكثف، تمكن فريق المحمية من الإمساك بستة من قطط الرمال وتركيب أطواق تتبع عبر الأقمار الصناعية عليها، وذلك تحت إشراف أطباء بيطريين متخصصين في التعامل مع السنوريات الصغيرة.

كانت عملية الإمساك بهذه الحيوانات تحديًا حقيقيًا.

أضافة ريم أن “هذه القطط سريعة جدًا وتتحرك بخفة كبيرة، كما أنها بارعة في الاختباء وتجنب الخطر، مما يجعل رصدها أو الإمساك بها أمرًا صعبًا.”

وبعد تخدير الحيوان بشكل آمن من قبل الفريق البيطري، تتولى ريم توثيق القياسات العلمية التي تدعم الدراسة. ويتم فحص كل فرد للتأكد من حالته الصحية قبل تركيب جهاز التتبع.

وتشمل القياسات الوزن ومحيط الرقبة لضمان أن يبقى جهاز التتبع أقل من ثلاثة في المئة من كتلة الجسم، إضافة إلى قياسات تفصيلية تشمل طول الجسم والذيل وأبعاد الكفوف.

وتضيف ريم أن “استخدام أطواق GPS يعد من أحدث التقنيات المستخدمة في دراسة الحيوانات متوسطة وصغيرة الحجم، وهو يتيح لنا جمع بيانات دقيقة ومستمرة حول تحركات هذا النوع.”

وقد ساهم هذا المشروع في بناء أكبر قاعدة بيانات علمية عن قط الرمال حتى الآن، ما يوفر معلومات مهمة لاستراتيجيات الاستعادة البيئية في المحمية ويعزز المعرفة العالمية حول هذا النوع النادر.

الحياة تحت مياه البحر الأحمر

لا يقتصر عمل ريم على الثدييات الصحراوية. فهي حاصلة على درجة البكالوريوس في علم النبات من جامعة الملك سعود، كما عملت سابقًا مع المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية في المملكة، حيث شاركت في مراقبة مواقع تعشيش السلاحف البحرية في جزر الخليج العربي.

وقد ساعدتها هذه الخبرة البحرية عندما انضمت في أغسطس 2025 إلى فريق دولي من العلماء لدراسة السلاحف البحرية في البحر الأحمر، حيث قام الفريق بتركيب أجهزة تتبع عبر الأقمار الصناعية على سبع سلاحف خضراء وثلاث سلاحف منقار الصقر.

وتنتشر هذه الأنواع عبر مساحة بحرية تقارب 438 ألف كيلومتر مربع من المياه المفتوحة التي تحدها ثماني دول.

وتضيف ريم أنها “كانت تلك أول مرة أدرس فيها السلاحف الخضراء وسلاحف منقار الصقر من على متن قارب. كنت قد عملت مع السلاحف سابقًا، لكن هذه الطريقة كانت مختلفة تمامًا وكانت تجربة مثيرة للغاية.”

وتوفر تقنية التتبع عبر الأقمار الصناعية معلومات حيوية حول أنماط حركة السلاحف عبر البحر الأحمر، مما يساعد العلماء على تحديد مناطق التغذية الرئيسية ومواقع التعشيش والمناطق الحيوية لهذه الأنواع وهي معلومات أساسية لحمايتها على امتداد هذا النظام البيئي البحري الواسع.

مراقبة السماء

تمتد الأنظمة البيئية في المحمية إلى ما هو أبعد من اليابسة والبحر. فكل عام تعبر ملايين الطيور المهاجرة سماء المملكة عبر اثنين من أهم مسارات الهجرة في العالم، مستخدمة أراضي المحمية كمناطق للراحة والتغذية خلال رحلاتها الطويلة بين القارات.

وتشارك ريم في فريق يرصد الطيور المقيمة والمهاجرة في أنحاء المحمية.

وخلال إحدى عمليات المسح الميداني، شاركت ضمن الفريق الذي سجل نسر أبيض الذيل في المملكة وهو أول توثيق لهذا النوع منذ أكثر من عشرين عامًا.

وتقول ريم أن “الطيور الجارحة تثير اهتمامي دائمًا. أشعر بحماس كبير عندما نراها. وعندما شاهدنا النسر أبيض الذيل كان ذلك لحظة استثنائية بالنسبة لي، فقد كان أول لقاء لي مع هذا النوع، وكان حجمه أكبر بكثير من النسور التي نراها عادة.”

ومن خلال توثيق تحركات الطيور الموسمية ومراقبة الأنواع المهاجرة، يعمل العلماء على فهم أعمق لكيفية ترابط الأنظمة البيئية في المحمية ودورها في دعم الحياة البرية على المستويين الإقليمي والعالمي.

محمية بتنوع طبيعي استثنائي

بالنسبة للعلماء الشباب مثل ريم، توفر محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية فرصة نادرة لاكتساب خبرة ميدانية مباشرة في بعض أكثر البيئات الطبيعية تنوعًا في المملكة.

فبفضل خمسة عشر نظامًا بيئيًا رئيسيًا وتنوعًا حيويًا غنيًا وجمالًا طبيعيًا فريدًا، تشكل المحمية بيئة استثنائية لدراسة الطبيعة وحماية التراث الطبيعي للمملكة.

وعندما تُسأل ريم عن المكان الأقرب إلى قلبها داخل المحمية، تذكر وادي الديسة دون تردد.

وتقول أن “الجبال والأودية الرطبة هناك فريدة للغاية. المنطقة تحمل إمكانات كبيرة، ومع المزيد من الحماية والدراسات البيئية يمكن أن تزدهر وتكشف عن المزيد من أسرارها.”

ويضم وادي الديسة واحدة من أعلى كثافات النقوش الصخرية القديمة في المحمية، في تذكير بأن الإنسان عاش في هذه البيئات جنبًا إلى جنب مع الطبيعة منذ آلاف السنين.

وترى ريم أن مستقبل الحفاظ على البيئة في المملكة يعتمد إلى حد كبير على إشراك الجيل الجديد في حماية هذه المناظر الطبيعية.

وتختتم حديثها قائلة انها “تؤمن بأن النساء في المجتمعات المحلية يجب أن يحصلن على فرص أكبر للمشاركة في جهود الحفاظ على البيئة. فهن قادرات على أن يكنّ حارسات قويات للطبيعة، وأن يساهمن في بناء مستقبل مستدام يعيش فيه الإنسان والطبيعة في توازن.”