تخطى إلى المحتوى

التنوع في الظلام: فهم خفافيش محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية

5 دقيقة قراءة

16 أبريل 2026

على الرغم من أن الخفافيش تُشكّل ربع جميع أنواع الثدييات على وجه الأرض، إلا أنها لا تزال من أقل الحيوانات التي يتوفر لدينا معلومات عنها على هذا الكوكب. ومع ذلك، فإن فإن دورها بالغ الأهمية، سواء للنظم البيئية أو للإنسان. فالعديد من أنواع الخفافيش مفترسات شرهة للحشرات، حيث تستهلك ما يصل إلى ٤٠٪ من وزن جسمها من الحشرات كل ليلة، مما يسهم في الحد من أعداد الآفات على نطاق واسع، يُقلّل من أضرار المحاصيل ويحدّ من الظروف التي تنتشر فيها الأمراض المنقولة بالحشرات.

في محمية الأمير محمد بن سلمان الملكية، تعني استعادة وظائف النظام البيئي فهم كل مكوّن من مكوّنات النظام، بما في ذلك تلك التي لا تظهر إلا بعد حلول الظلام. منذ عام ٢٠٢٢، أجرت المحمية سبع مسوحات مخصصة للخفافيش، خمس منها في مواسم ربيعية متتالية واثنتان في الخريف، مع مسح ربيعي سادس قيد التنفيذ حاليا.

يوضح جوش سميثسون، كبير علماء البيئة، قائلا: «تُبرز المسوحات الميدانية المُنفّذة التحركات الموسمية وتوزيع الخفافيش في جميع أنحاء المحمية. إن فهم ذلك أمر بالغ الأهمية لجهود الاستعادة التي نبذلها، إذ تُعدّ الخفافيش أنواعا أساسية توفر خدمات بيئية قيّمة كالتلقيح ومكافحة الآفات.»

البحث في مجال الخفافيش ليس بالأمر السهل. فهي تأوي إلى الكهوف والشقوق الصخرية الضيقة، ولا تخرج إلا ليلا، وتتنقل في الظلام بسرعة ودقة. إنها الثدييات الوحيدة القادرة على الطيران المستدام بقوة الدفع الذاتي، وقدرتها على التنقل عبر تحديد الموقع بالصدى تجعلها صيادات استثنائية وموضوعات بالغة الصعوبة للدراسة العلمية.

دراسة ما لا يُرى

تظل الشبكة الضبابية الأداة الأكثر فعالية لالتقاط الخفافيش، وهي تقنية مستعارة من علم الطيور. اعتُمدت شبكات الحرير الناعمة ذات الأصل الياباني لأول مرة من قبل علماء الثدييات في خمسينيات القرن الماضي، وبعد سبعة عقود لا تزال الطريقة دون تغيير يُذكر، وإن كانت شبكات اليوم مصنوعة من النايلون شبه الخفي بدلا من الحرير.

حتى الآن، أجرى فريق البحث في المحمية، بالتعاون مع مركز المنارة للتطوير في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)  وخبراء الخفافيش الدوليين تاكسوس إيكولوجي، أكثر من ١٢٠ ليلة بحثية، حيث نُشرت الشبكات الضبابية عبر ممرات طيران الخفافيش المعروفة. تُوضع الشبكات بين عمودين وتُنصب قبيل الغسق مباشرة، لاعتراض الخفافيش عند خروجها من مأواها لبدء بحثها الليلي عن الغذاء.

صورة: فريق البحث ينصب شبكة ضبابية في جبل قراقر في المحمية

يُزال كل خفاش يتم التقاطه بعناية، ويُفحص يدويا، وتُؤخذ منه عينات. تُسجّل البيانات البيومترية، بما في ذلك الوزن وطول الأصابع والأذن وطول الوتد وطول الذيل والطول الإجمالي لضمان التعريف القاطع للأنواع الخفية. تُؤخذ عينات الحمض النووي من الخفافيش الملتقطة على شكل فراء منتوف (بما في ذلك البصيلات) أو عيّنة صغيرة (حوالي 2 ملم) من غشاء الجناح، أو من الفضلات  توضع هذه العينات في قارورة حفظ تحتوي على مادة حافظة قبل نقلها إلى «أبلايد جينوميكس» في المملكة المتحدة لتحليل الحمض النووي. ثم تُضاف النتائج إلى قاعدة بيانات عالمية للحمض النووي.

صورة: قياس باع جناحي خفاش

كانت هذه التقنية هي التي أدت إلى تسجيل المحمية لنوع جديد من الخفافيش في المملكة العربية السعودية، خفاش روبل (Vansonia rueppellii)، مما رفع إجمالي أنواع الخفافيش المعروفة في المملكة إلى ٣٢ (اقرأ المزيد عن هذا الاكتشاف هنا).

الإنصات إلى الظلام

لكن الشبكات الضبابية لا تروي سوى جزء من القصة. فنفس التكيّف الاستثنائي الذي يجعل الخفافيش صيادات بالغة الفعالية، وهو تحديد الموقع بالصدى، هو أيضا ما يُتيح للعلماء دراستها على نطاق واسع.

تُصدر الخفافيش نبضات فوق صوتية تتجاوز نطاق السمع البشري، وتتنقل وتصطاد عن طريق قياس الوقت الذي يستغرقه الصدى للعودة. والأهم من ذلك أن لكل نوع بنية نداء مميزة، يمكن قياسها من خلال التردد ومدة النبضة والفاصل الزمني بين النبضات. تستخدم المحمية أجهزة كشف صوتية لتسجيل هذه النداءات وتحويلها إلى بيانات يمكن تصويرها وقياسها ومطابقتها مع مكتبة مرجعية لتحديد الأنواع التي أصدرتها ومكان وزمان ذلك.

يبرز التحدي عندما لا تكون تلك المكتبة المرجعية موجودة. كانت بيانات نداءات تحديد الموقع بالصدى المنشورة لخفافيش المملكة العربية السعودية شبه معدومة عندما بدأت مسوحات المحمية. وقد أسّس عمل الفريق منذ ذلك الحين أشمل مكتبة لنداءات تحديد الموقع بالصدى في المنطقة الشمالية من المملكة، مما يجعل التعرف الصوتي المستقبلي في المنطقة أكثر سهولة ودقة.

صورة: إزالة خفاش بعناية من الشبكة الضبابية

التنوع في الظلام

تُغطي المحمية نحو 1% فقط من المساحة البرية للمملكة العربية السعودية، ومع ذلك تحتضن 56% من أنواع الخفافيش المعروفة في المملكة. حتى الآن، سجّلت المحمية ١٨ نوعا من ١٤ جنسا عبر ثماني عائلات، بما في ذلك نوع جديد على المملكة العربية السعودية وهو خفاش روبل. ترفع هذه النتائج التنوع المعروف للخفافيش في منطقة تبوك من ١٠ إلى ١٨ نوعا وتوسّع النطاق الجغرافي العالمي المُسجّل لعدة أنواع.

لكن هذه ليست سوى البداية. تُشير كثافة الاكتشافات إلى أن هناك الكثير مما ينتظر الكشف عنه، وأن فهمنا لـ«التنوع في الظلام» في المحمية لا يزال في بداياته.

لقراءة الورقة البحثية الكاملة المحكّمة، المنشورة في المجلة المحكّمة، Diversity: https://www.mdpi.com/1424-2818/17/1/32

وتابعونا على وسائل التواصل الاجتماعي للاطلاع على آخر مستجدات المسح الأخير.